محمد بن زكريا الرازي

79

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

5 - [ والنوم ] يكون إما لاستفراغ الروح النفساني مثل الذي يعرض لمن تعب واعي وإما لرطوبة تغلب على الدماغ وقد يدل على ذلك حدوث النوم عند شرب الخمر وعند الاستحمام بالماء العذب وعند استعمال الأغذية الرطبة . والنوم قد يكون طبيعيّا ويكون بخلاف المجري الطبيعيّ والنوم الطبيعي يكون من رطوبة معتدلة يستغرق الدماغ وأما النوم الخارج عن المجري الطبيعي فإنه يكون إما من بردة تخدره حتى تحدث له السبات وإما من رطوبة كثيرة تثقله وتستغرقه وإما من الأدوية التي تسكن إلا لم تنيم ومنها ما تجلب النوم بالحقيقة مثل الأشياء التي ترطب ومنها أدوية مخدرة وهي التي تبرد وتيبس ويسكن بها الألم لكن ليس بالحقيقة وذلك أنها لا يستفرغ الخلط المؤذي بل إنما لخدر القوة الحسّاسة فيظن أنها قد سكنت الوجع وجلبت النوم بإخدارها للحس ومنها أدوية تسكن الوجع بالحقيقة وهي التي تستفرغ الخلط المؤذي . قد اختلف الفلاسفة في القوة المدّبرة التي تكون بها التوهم والفكر والحفظ . فقول إبقراط وأفلاطون وجالينوس أنها في الدماغ . وقول أرسطاطاليس وأرحيحالس أنها في القلب . ومن قولهما في ذلك أن النوم إنما يكون إذا امتلأ الدماغ من الرطوبة وأنه متى حدثت علة من علل السبات والسبات واختلاط الذهن فإنما ينبغي أن يقصد إلى مداواة للرأس . [ 6 - ونقول بعد : إنّ ما كان من النوم طبيعيّا فإنما يكون عن رطوبة معتدلة . . . ] 6 - ونقول بعد : إنّ ما كان من النوم طبيعيّا فإنما يكون عن رطوبة معتدلة وما كان منه خارجا عن المجري الطبيعي حتى يخرج عن حد النوم إلى الاستغراق والسبات فإنه يكون إما من كثرة الرطوبة وإما من غلبة البرد . واليقظة تكون إما عن يبس معتدل وهذه اليقظة هي الطبيعية وإما عن يبس مفرط مع حرارة وهذه اليقظة يقظة خارجة عن المجري الطبيعي ويقال له الأرق وذلك أن الأرق إنما إفراط من اليقظة . وقد يمكنك بالاستدلال أن تعلم أن الشيء الذي يتفكر إنما مركزه ومحلّه في الدماغ وأن الشيء الذي يكون به النجدة والعصب محلّه ومركزه القلب وأن الشيء الذي يكون عنه